كل شيء
حي على هذا الكوكب يتحدث اللغة نفسها، ليست الإنجليزية، ولا أي لغة بشرية، بل لغة جزيئية؛
شفرة مكتوبة بأربعة أحرف كيميائية مرتبة في تتابعات تخبر كل خلية بما تبنيه، ومتى تنقسم،
وكيف تموت.
إنها
تسمى الدنا (DNA)،
وهي متطابقة في بنيتها الأساسية عبر كل كائن حي تم فحصه على الإطلاق؛ البكتيريا الموجودة
في أمعائك، وشجرة البلوط خارج نافذتك، والفطر تحت التربة، والحوت الأزرق الذي يعبر
المحيط الهادئ، والفيروس الذي يتكاثر داخل خلية مصابة، كل هذا يشتغل بالشفرة نفسها.
كل هذا
يعود إلى حدث أصل واحد قبل نحو 3.8 مليار سنة، عندما تحول شيء لم يكن حياً إلى كائن
حي. تلك اللحظة هي أساس كل شيء بيولوجي وُجد على الأرض؛ كل نظام بيئي، وكل نوع، وكل
خلية في جسدك، كل هذا ينحدر من سلف واحد.
وهنا
الجزء الذي لم يتمكن أحد من تفسيره: نحن لا نعرف كيف حدث ذلك، ولا يمكننا إعادة إنتاجه،
لقد حاولنا لأكثر من قرن، وكلما طالت محاولاتنا، استمر في الظهور احتمال آخر يجده معظم
الناس غير مريح للغاية، وهو أن الأمر لم يحدث هنا.
لنبدأ؛ المشكلة تبدأ بالتوقيت. ظهرت الحياة على الأرض بمجرد أن أتيحت لها الفرصة تقريباً. تشكل الكوكب قبل نحو 4.5 مليار سنة، وخلال المئات الأولى من ملايين السنين، كان السطح منصهراً؛ محيطات من الصهارة (الماغما)، وقصف مستمر من الكويكبات، دون سطح مستقر، ودون ماء سائل.
كانت الظروف عنيفة للغاية لدرجة أن الجيولوجيين يطلقون على هذه الفترة اسم "الدهر الجهنمي" (Hadean)، نسبة إلى هاديس، العالم السفلي اليوناني. لم يكن مكاناً تتحول فيه الكيمياء إلى بيولوجيا.
ثم، في اللحظة التي استقرت فيها الظروف تقريباً، ظهرت الحياة. يعود أقدم دليل مؤكد على الحياة الميكروبية على الأرض إلى نحو 3.5 مليار سنة، وتشير العلامات الكيميائية في الصخور القديمة إلى أنها ربما كانت موجودة في وقت مبكر يصل إلى 3.8 مليار سنة.
وهذا
يترك نافذة زمنية ربما تتراوح بين 200 إلى 400 مليون سنة بين نهاية القصف الجهنمي وأولى
آثار الحياة. قد يبدو هذا وقتاً طويلاً، لكنه ليس كذلك.
إن الانتقال
من الكيمياء العضوية البسيطة إلى نظام جزيئي ذاتي التكاثر وقادر على التطور هو الحدث
الأكثر تعقيداً على الإطلاق في العلم. لم يحقق أي مختبر هذا من الصفر مطلقاً، ومع ذلك
يبدو أنه حدث على الأرض على الفور تقريباً، كما لو أن مسدس البداية قد انطلق وعبرت
الحياة خط النهاية في الثانية الأولى من السباق.
هناك
طريقتان لتفسير ذلك: إما أن أصل الحياة أسهل بكثير مما نعتقد ونحن ببساطة نغفل عن شيء
واضح، أو أن الحياة لم تبدأ من الصفر على الأرض، بل وصلت إليها.
الآن، لنتأمل كوكب المريخ. المريخ أصغر من الأرض، وقد برد بشكل أسرع، وشكّل قشرة صلبة ومياهاً سائلة مستقرة على سطحه قبل نحو 100 مليون سنة من قيام الأرض بذلك.
وبينما كانت الأرض لا تزال كرة من الصخور المنصهرة التي تتعرض للقصف بالكويكبات، كان المريخ يمتلك بالفعل أنهاراً تلتوي عبر وديان قديمة، وبحيرات تتجمع في الفوهات، وربما محيطاً شاسعاً يمتد عبر نصف كرته الشمالي.
إذا كانت مكونات الحياة موجودة في النظام الشمسي المبكر -ونحن نعلم أنها كانت موجودة- فقد كان للمريخ أسبقية مدتها 100 مليون سنة. وأي عملية فجرت الحياة كان يمكن أن تحدث هناك أولاً.
هذا
ليس تخميناً؛ ففي يوليو من عام 2024، كان المستكشف "بيرسيفيرانس" التابع
لناسا يستكشف مجرى نهر جاف قديم داخل فوهة جيزيرو على المريخ. وقاد المركبة إلى تكوين
يسمى "الملاك الساطع" (Bright Angel)، وهو عبارة عن نتوءات صخرية على طول حواف
"نيريتفا فاليس"، وهو وادٍ نهري نحته الماء قبل مليارات السنين.
هناك
واجه صخرة جعلت الفريق العلمي يوقف كل شيء. أُطلق على الصخرة اسم "شلالات تشافا"
(Cheyava Falls)،
وهي عبارة عن حجر طيني تشكل عندما غطت المياه السائلة هذه المنطقة من المريخ.
وكان
سطحها مغطى بميزات غريبة؛ بقع داكنة صغيرة أطلق عليها الفريق اسم "بذور الخشخاش"،
وبنى أكبر شاحبة محاطة بحلقات سموها "بقع الفهد". حفر بيرسيفيرانس في الصخرة
وجمع عينة، وأغلق عليها في أنبوب من التيتانيوم، وسماها "سافاير كانيون"
(Saphire Canyon).
وخلال
العام التالي، حلل الفريق العلمي البيانات الواردة من أجهزة المستكشف. وفي 10 سبتمبر
2025، نشروا نتائجهم في مجلة "Nature". كانت بقع الفهد تحتوي على جزيئات عضوية
ومعادن ترتبط بقوة في الأرض بالنشاط الميكروبي.
إن المزيج
من فوسفات الحديد والكربون العضوي المرتب في تلك الأنماط المحددة ليس له تفسير طبيعي
مؤكد لا يتضمن البيولوجيا. أوضح البحث أن هذا ليس دليلاً قاطعاً على الحياة، بل هو
بصمة حيوية محتملة، لكن المدير المساعد لناسا قال علناً ما تنطوي عليه البيانات: هذا
هو أقرب ما وصلنا إليه على الإطلاق لاكتشاف الحياة على المريخ.
العينة لا تزال على المريخ، مغلقة في أنبوب التيتانيوم الخاص بها، تقبع في غبار فوهة جيزيرو، منتظرة.
وهنا تأخذ القصة منعطفاً؛ فالمريخ والأرض ليسا معزولين عن بعضهما، بل يتبادلان المواد منذ مليارات السنين. عندما يضرب كويكب كبير المريخ، يفجر هذا الارتطام قطعاً من صخور المريخ إلى الفضاء.
وتعبر بعض تلك القطع في النهاية مدار الأرض وتسقط على السطح كنيازك. هذا ليس أمراً نظرياً؛ فقد عثرنا على نيازك مريخية على الأرض، وأكدنا أصلها من خلال الغازات المحبوسة بداخلها، والتي تتطابق مع الغلاف الجوي للمريخ الذي قيسته مركبات الفايكنج التابعة لناسا.
قبل 13,000 عام، ضربت إحدى هذه الصخور منطقة "ألان هيلز" في القارة القطبية الجنوبية، وظلت تقبع في الجليد حتى عام 1984 عندما عثر عليها فريق من العلماء وأطلقوا عليها اسم "ALH8401". وأظهر التحليل أنها نشأت في وادٍ مريخي عميق في وقت كان المريخ لا يزال يحتوي فيه على مياه متدفقة.
وفي عام 1996، أعلن فريق بقيادة عالم ناسا ديفيد مكاي أنهم وجدوا في أعماق ALH8401 هياكل تشبه البكتيريا المتحجرة. تصدر الإعلان العناوين الرئيسية العالمية، وعقد رئيس الولايات المتحدة مؤتمراً صحفياً، ولبُرهة قصيرة بدا الأمر وكأن السؤال عن الحياة خارج الأرض قد تمت الإجابة عنه.
لكن
الأمر لم يكن كذلك؛ أظهرت الدراسات اللاحقة أن الهياكل كانت على الأرجح تكوينات معدنية
طبيعية. تلاشى الحماس، لكن السؤال الذي أثاره لم يتلاشى؛ لأن ما أثبته ALH8401 دون أدنى شك هو أن المواد من
المريخ تصل إلى الأرض، ليس بشكل عابر بل بشكل روتيني.
تقدر المحاكاة الحاسوبية أن مليارات الأطنان من صخور المريخ قد قامت بالرحلة إلى الأرض على مدار تاريخ النظام الشمسي. وقد تم تفجير بعض تلك المواد من السطح بواسطة اصطدامات عنيفة بما يكفي لتسريع الصخور لتتجاوز سرعة الإفلات من جاذبية المريخ.
وانجرف
بعضها عبر الفضاء بين الكواكب لآلاف السنين قبل أن تلتقطها جاذبية الأرض، ووصل بعضها
وهو يحمل شيئاً مثيراً للاهتمام.
في
28 سبتمبر 1969، في نحو الساعة 10:45 صباحاً بالتوقيت المحلي، شوهدت كرة نارية ساطعة
فوق بلدة ميرشيسون في فيكتوريا، أستراليا. وتم انتشال شظايا نيزك من الأراضي الزراعية
المحيطة.
لم يكن النيزك من المريخ، بل كان "كوندريت كربوني"، وهو نوع من الصخور البدائية التي تعود إلى بداية تشكل النظام الشمسي نفسه قبل أكثر من 4.5 مليار سنة. لم يكن يوماً جزءاً من كوكب، بل كان ينجرف عبر النظام الشمسي منذ ما قبل وجود الأرض.
وعندما حلل العلماء نيزك ميرشيسون، وجدوا أكثر من 90 حمضاً أمينياً مختلفاً بداخله. الأحماض الأمينية هي لبنات بناء البروتينات، وهي أساسية لكل حياة معروفة، وتم العثور على أكثر من 90 نوعاً داخل صخرة تسبق الأرض في الوجود
والعديد من تلك الأحماض الأمينية لا توجد في أي نظام بيولوجي على هذا الكوكب؛ إنها غريبة (فضائية). وأكد التحليل النظائري بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الأحماض الأمينية تشكلت في الفضاء وليس على الأرض؛ فنِسَب نظائر الكربون والنيتروجين فيها تختلف جوهرياً عن أي شيء أرضي.
كما
احتوى نيزك ميرشيسون على قواعد نووية -وهي المكونات الجزيئية للدنا (DNA) والرنا (RNA)- وسكريات بما في ذلك الريبوز،
وهو العمود الفقري للرنا نفسه.
استوعب هذا للحظة: تم العثور على لبنات بناء الدنا داخل صخرة أقدم من الأرض، تشكلت في الفضاء، ووُجهت إلى هنا بالسقوط عبر الغلاف الجوي والهبوط في حقل في أستراليا.
كيمياء الحياة ليست فريدة للأرض، وليست نادرة، وليست هشة؛ إنها مبعثرة عبر النظام الشمسي مثل الغبار في النيازك، والمذنبات، وفي سحب الغاز بين النجوم. الجزيئات التي تشكل جسدك ليست خاصة بهذا الكوكب، بل هي في كل مكان.
لذا يصبح السؤال لا مفر منه: إذا كان المريخ يمتلك مياهاً سائلة قبل 100 مليون سنة من الأرض، وإذا كانت لبنات بناء الحياة تتشكل طبيعياً في الفضاء وتمطر على الكواكب بشكل روتيني، وإذا كانت مليارات الأطنان من صخور المريخ قد وصلت إلى الأرض حاملة جزيئات عضوية، وإذا كان أقرب شيء وجدناه على الإطلاق لبصمة حيوية على المريخ يقبع في أنبوب مغلق في فوهة جيزيرو الآن؛ فهل من الممكن أن الحياة لم تبدأ على الأرض على الإطلاق؟
وأن
الخلية الحية الأولى وصلت إلى هنا من مكان آخر؟ وأننا لسنا سكان هذا الكوكب الأصليين،
بل أحفاد عملية بدأت في عالم آخر، في زمن آخر، وتحت سماء أخرى؟
هناك
كلمة لهذه الفكرة، تسمى "التَبَزُّر الشامل" أو "البانسبيرميا"
(Panspermia).
وطوال معظم القرن العشرين، كانت تُعتبر علماً هامشياً، شيئاً لا يربط الباحثون الجادون
أسماءهم به. لكن الأدلة كانت تتراكم بهدوء لعقود، ولم يعد من الممكن تجاهلها.
الفكرة أقدم مما يظن معظم الناس؛ ففي عام 1903، اقترح كيميائي سويدي يدعى سفانتي أرينيوس أن الحياة المجهرية يمكن أن تنتقل بين العوالم، محمولة بضغط ضوء النجوم على أبواغ صغيرة تنجرف عبر الفضاء، وأطلق عليها اسم البانسبيرميا.
تجاهله المجتمع العلمي إلى حد كبير؛ بدت الفكرة غير قابلة للاختبار، فكيف يمكن لأي شيء أن ينجو من عنف الانطلاق من كوكب ما، والفراغ المتجمد للفضاء، وجحيم دخول الغلاف الجوي لعالم آخر؟ بدت الرحلة مستحيلة بثلاث مراحل، كل واحدة منها قاتلة.
ثم، واحداً تلو الآخر، تم العثور على كائنات يمكنها النجاة من المراحل الثلاث كلها. ابدأ بالانطلاق؛ عندما يضرب كويكب كبير كوكباً، يولّد الارتطام ضغوطاً تتجاوز عدة جيجا باسكال ودرجات حرارة تفوق ألف درجة مئوية عند نقطة التلامس.
الصخور
القريبة من موقع الارتطام تندفع بسرعة تفوق سرعة رصاصة بندقية، وتصل بعض الشظايا إلى
سرعة الإفلات وتغادر الكوكب تماماً. وأي شيء يعيش داخل تلك الصخور سيتعرض لصدمة من
شأنها أن تحطم كل خلية، وتغلي كل بروتين، وتدمر كل شريط دنا.
لعقود،
كان هذا وحده يُعتبر كافياً لاستبعاد البانسبيرميا؛ فلا شيء بيولوجي يمكنه النجاة من
ذلك. ثم اختبر الباحثون ذلك؛ ففي عام 2013، قام فريق في معهد فراونهوفر في ألمانيا
بتحميل أبواغ داخلية بكتيرية في مقذوفات وأطلقوها نحو أهداف بسرعات تتجاوز 5 كيلومترات
في الثانية.
ونجت الأبواغ، ليس كلها، ولكن جزءاً كبيراً منها خرج سليماً وقابلاً للحياة. كان السر في الموقع؛ فالأبواغ الموجودة في عمق الصخرة، والمحمية ببضع سنتيمترات فقط من المواد، تعرضت لدرجات حرارة وضغوط أقل بكثير من السطح.
امتصت الطبقات الخارجية للصخرة أسوأ ما في الصدمة، وظل الداخل صالحاً للحياة. كانت النتيجة واضحة: الميكروب لا يحتاج إلى النجاة من الاصطدام نفسه، بل يحتاج فقط إلى أن يكون في عمق كافٍ داخل الصخرة ليدع الصخرة تتلقى الضربة.
الآن، المرحلة الثانية: الفضاء. هذا هو الجزء الذي يبدو بوضوح أنه الأكثر فتكاً؛ لا هواء، لا ماء، لا مغذيات، درجات حرارة تقترب من الصفر المطلق في الظل وتتجاوز 100 درجة مئوية في ضوء الشمس المباشر، وإشعاع مستمر غير محمي؛ الأشعة فوق البنفسجية، الأشعة الكونية، وأحداث الجسيمات الشمسية.
فراغ
الفضاء هو البيئة الأكثر عدائية التي يمكن تخيلها لكائن حي. ومع ذلك، في عام 2007،
أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية تجربة تسمى "بيوبان" (Biopan) على الهيكل الخارجي لقمر
صناعي روسي من نوع "فوتون".
دببة الماء هي حيوانات مجهرية يبلغ طولها نحو نصف مليمتر، ولها ثماني أرجل، ولها دماغ، ولها جهاز هضمي؛ إنها بأي تعريف معقول حيوانات معقدة.
وقد نجت لمدة 10 أيام في فراغ الفضاء دون حماية؛ لا بدلة فضاء، ولا درع حماية، معرضة للطيف الكامل للأشعة فوق البنفسجية الشمسية بمستويات أعلى بمئات المرات من أي شيء على سطح الأرض.
وعندما
أُعيدت وتم تزويدها بالماء، استأنف العديد منها نشاطه الطبيعي، بل إن بعضها تكاثر بعد
ذلك. الآلية خارقة؛ فعندما يواجه دب الماء ظروفاً مميتة، يدخل في حالة تسمى "الحياة
الخفية" أو "السُبات الزجاجي" (Cryptobiosis)؛ حيث يطرد كل الماء تقريباً
من جسده، وينخفض تمثيله الغذائي إلى أقل من 0.01% من المعدل الطبيعي.
ويقوم
بروتين فريد يوجد فقط في دببة الماء يسمى "Dsup" بتشكيل سحابة واقية
حول الدنا الخاص به، ليحمي المادة الوراثية مادياً من أضرار الإشعاع. دب الماء ليس
ميتاً، وهو ليس حياً بأي مفهوم تقليدي، بل هو ينتظر، ويمكنه الانتظار لعقود.
ولكن دببة الماء هشة مقارنة بالبطل الحقيقي للبقاء؛ فبكتيريا "المكورات الغريبة المقاومة للإشعاع" (Deinococcus radiodurans) تحوز رقم غينيس القياسي العالمي لأكثر كائن مقاوم للإشعاع تم اكتشافه على الإطلاق.
يمكنها تحمل جرعات إشعاعية تصل إلى 5,000 غراي (Gray). وللمقارنة، فإن جرعة من 5 غراي تكون قاتلة للإنسان، و10 غراي تقتل أي ثديي تقريباً. وتنجو هذه البكتيريا من ألف ضعف ذلك
سرها ليس المنع، بل الإصلاح؛ فعندما يمزق الإشعاع الدنا الخاص بها إلى مئات الشظايا، تقوم بشيء لا يمكن لأي كائن آخر معروف القيام به بكفاءة مماثلة: تعيد تجميع جينومها بالكامل من القطع المكسورة في غضون ساعات قليلة، بدقة وتكرار، كما لو أن تحطيم شفرتها الوراثية ليس سوى إزعاج روتيني.
وفي
عام 2015، دفعت تجربة أخرى السؤال إلى أبعد من ذلك؛ حيث وُضعت أبواغ بكتيرية من نوع
"العصوية الرقيقة" (Bacillus subtilis) على الهيكل الخارجي لمحطة
الفضاء الدولية كجزء من تجربة تسمى "إكسبوز" (Expose). وظلت هناك لمدة 6 سنوات
في فراغ الفضاء.
وعندما
تم استردادها في عام 2021، كانت الأبواغ التي حُميت بطبقة رقيقة من مواد نيزكية محاكية
لا تزال قابلة للحياة. 6 سنوات من الإشعاع الكوني والقصف بالأشعة فوق البنفسجية وتقلبات
درجات الحرارة والفراغ القاسي، ونجت، ليس كلها، ولكن ما يكفي منها.
أظهرت
دراسة في المركز الألماني للطيران والفضاء أن الأبواغ الداخلية للعصوية الرقيقة الموضوعة
على بُعد مليمترات فقط تحت سطح الصخرة نجت من ظروف إعادة دخول الغلاف الجوي مع تجاوز
درجات حرارة السطح 400 درجة مئوية.
احترقت القشرة الخارجية للصخرة، وظل الداخل بارداً بما يكفي للحياة. المراحل الثلاث كلها؛ الانطلاق، العبور، وإعادة الدخول، كل واحدة منها قاتلة بمفردها على الورق، تم النجاة منها كلها في التجارب المختبرية بواسطة كائن حي موجود على الأرض الآن. الاختبار حقيقي، ولكنه ليس مستحيلاً.
الآن، لنتأمل حركة المرور؛ فالأرض والمريخ ليسا الكوكبين الوحيدين اللذين يتبادلان المواد. رسمت عمليات المحاكاة الحاسوبية التي أجراها بريت جلادمان في جامعة كولومبيا البريطانية وآخرون مسارات لمليارات الشظايا الصخرية الافتراضية التي قُذفت من الأرض والمريخ والزهرة بسبب اصطدامات الكويكبات على مدار تاريخ النظام الشمسي.
وتصف
النتائج نظاماً شمسياً أكثر ترابطاً بكثير مما يتخيله معظم الناس؛ فقد وصلت عشرات الملايين
من الشظايا الصخرية من الأرض إلى المريخ بسبب مداره القريب، وربما استقبل الزهرة مئة
ضعف ذلك، وأرسل المريخ مليارات الأطنان إلى الأرض.
وحتى
أقمار المشتري ليست بعيدة المنال؛ فقد وصل جزء صغير ولكنه غير صفري من المقذوفات الأرضية
إلى نظام المشتري في مسارات استمرت لعشرات الملايين من السنين، ووصلت بعض الشظايا إلى
زحل.
النظام الشمسي ليس مجموعة من العوالم المعزولة، بل هو شبكة؛ شبكة بطيئة وقليلة وقديمة وتعمل باستمرار من الصخور والغبار والكيمياء التي تنتقل بين الكواكب على مدار مليارات السنين.
وليس كل ما يسافر من الحياة يحتاج إلى أن يصل حياً؛ ففي عام 2009، اقترح عالم الفلك بول ويسون مفهوماً يسمى "التَبَزُّر الشامل الميت" أو "النيكروبانسبيرميا" (Necropanspermia)
الفكرة بسيطة ومزعجة: الميكروب الذي يموت أثناء الرحلة عبر الفضاء لا يزال يحتوي على شظايا من الدنا، وتلك الشظايا تحمل معلومات. إذا هبطت تلك الشظايا في بيئة كيميائية ما قبل حيوية -بركة دافئة، أو فوهة حرارية مائية، أو محيط غني بالجزيئات العضوية- فيمكنها توفير قوالب جزيئية جاهزة لتجميع أنظمة بيولوجية جديدة. الموتى يقدمون الإرشادات، والعالم الحي يجمعها.
لا تتطلب
النيكروبانسبيرميا النجاة، بل تتطلب فقط أن تكون المعلومات المشفرة في الدنا متينة
بما يكفي لتستمر طوال الرحلة. وتبين أن الدنا متين بشكل ملحوظ؛ فقد تم استرداد شظايا
منه من عينات التربة الصقيعية التي يعود عمرها لمئات الآلاف من السنين.
إذا كان هذا صحيحاً، فإن الجزيئات الموجودة في خلاياك ربما لم تنشأ على هذا الكوكب، والأحماض الأمينية في بروتيناتك ربما تكون قد تشكلت في حزام كويكبات، والقواعد النووية في الدنا الخاص بك ربما تم تخليقها في سحابة غاز بين النجوم.
والشفرة الوراثية التي تشغل كل خلية في جسدك ربما وصلت إلى الأرض داخل صخرة سقطت من السماء قبل 4 مليارات سنة، حاملة البقايا المحطمة لشيء كان حياً ذات يوم في عالم لم يعد يحتوي على محيطات.
لقد
أجرى النظام الشمسي هذه التجربة لـ 4 مليارات سنة؛ الصخور تطير بين الكواكب منذ البداية،
وظهرت الحياة على الأرض فور سماح الظروف بذلك، والكائنات القادرة على النجاة من الرحلة
موجودة بالفعل. السؤال ليس ما إذا كان يمكن اجتياز هذا الاختبار الصعب، بل السؤال هو
ما إذا كان قد تم اجتيازه بالفعل.
كل شيء حتى الآن بقي داخل النظام الشمسي؛ صخور ترتد بين الكواكب المتجاورة، من المريخ إلى الأرض، ومن الأرض إلى الزهرة، شظايا تنجرف ببطء عبر عائلة صغيرة من العوالم المرتبطة بالنجم نفسه.
ولكن النجوم ليست الحدود، وهنا تتوسع فكرة البانسبيرميا إلى شيء أكبر بكثير وأصعب في الاستبعاد. متوسط المسافة بين النجوم المتجاورة في منطقتنا من المجرة هو نحو 4 سنوات ضوئية، أي نحو 40 تريليون كيلومتر.
وبالسرعات
التي تسافر بها الصخور المقذوفة عادة -بضعة كيلومترات في الثانية- فإن الرحلة بين النجوم
تستغرق عشرات الملايين من السنين. هذا وقت عبور لا يمكن استيعابه تقريباً؛ ملايين السنين
من الإشعاع الكوني، وملايين السنين من البرد المطلق، وملايين السنين من لا شيء.
ولكن
الدراسات أظهرت أن الأبواغ البكتيرية المحمية داخل نحو متر واحد من الصخور يمكنها النجاة
من التعرض للإشعاع الكوني لعشرات الملايين من السنين. الصخرة تعمل كدرع، والأبواغ في
حالة السُبات الزجاجي لا تستهلك أي طاقة، إنها لا تموت ببطء بل هي معلقة تماماً، والوقت
لا يمر بالنسبة لها، إنها ركاب داخل حجر لا يعرف شيئاً عن الوقت.
وقد
تكون المذنبات مركبات أفضل؛ فغطاء المذنب من جليد الماء، الذي يبلغ سمكه أحياناً أمتاراً،
يشكل درعاً طبيعياً ضد الإشعاع أكثر فعالية بكثير من الصخور.
وأي ركاب ميكروبيين متجمدين داخل الجليد بالقرب من نواة المذنب سيكونون محميين من الأشعة الكونية لنطاقات زمنية تقزم حتى أطول رحلات العبور بين النجوم.
المذنبات ليست نادرة، بل هي في كل مكان؛ وتُقدر سحابة أورت وحدها -وهي الغلاف الشاسع من الأجسام الجليدية المحيطة بنظامنا الشمسي- بأنها تحتوي على تريليونات منها، وبعض تلك المذنبات لم ينشأ هنا، بل تم التقاطها من نجوم أخرى خلال حياة الشمس المبكرة في حضانة نجمية كثيفة.
هذا
هو الجزء الذي لا يعرفه معظم الناس: النجوم لا تولد بمفردها، بل تولد في عناقيد (تجمعات)؛
حيث تنهار سحب كثيفة من الغاز وتتفتت إلى مئات أو آلاف النجوم الجديدة المكتظة معاً.
ولم تكن شمسنا استثناءً؛ فقد تشكلت داخل حضانة نجمية مزدحمة قبل نحو 4.6 مليار سنة،
محاطة بأشقاء كانوا أقرب بكثير مما هو عليه أي نجم مجاور اليوم.
وتُقدر
عمليات المحاكاة المنشورة في مجلة "Astrobiology" أنه خلال فترة وجود
الشمس داخل عنقود ولادتها، كان من الممكن تبادل ما يصل إلى 30 كوادريليون جسم صلب بين
نظامنا الشمسي وأقرب نظام مجاور؛ 30 كوادريليون!
ومن
بين تلك الأجسام، نحو 200 مليار صخرة نشأت من الأرض الشابة الحاضنة للحياة كان يمكن
أن تصل إلى أنظمة نجمية غريبة قبل أن يتشتت العنقود وتتباعد النجوم.
إذا
حملت صخرة واحدة فقط من تلك الصخور بوغاً قابلاً للحياة، وإذا نجا بوغ داخلي واحد من
العصوية أو دب ماء دافئ واحد من العبور وهبط على عالم يحتوي على مياه سائلة ومصدر للطاقة،
فإن الحياة لم تبقَ على الأرض؛ بل غادرتها قبل 4 ونصف مليار سنة، قبل أن تتشكل المحيطات
بالكامل، وقبل وجود أول كائن متعدد الخلايا، وقبل أن يكون أي شيء على الأرض أكثر تعقيداً
من خلية واحدة، كانت البذور تطير بالفعل.
والنسخة الأكثر تطرفاً من هذه الفكرة تركز على العناقيد النجمية المغلقة (Globular Clusters). العناقيد المغلقة هي أسراب كثيفة من النجوم تدور في هالة مجرتنا، وتحتوي على آلاف إلى ملايين النجوم المكتظة في كرة يبلغ قطرها بضع عشرات من السنوات الضوئية فقط.
داخل العنقود المغلق، تُقاس المسافات بين النجوم بالأشهر الضوئية أو حتى الأسابيع الضوئية. وسماء الليل من كوكب داخل عنقود مغلق ستكون مشتعلة بشكل دائم بآلاف الشموس القريبة، وبعضها ساطع بما يكفي لإلقاء ظلال.
عند
تلك الكثافات، لن تتطلب البانسبيرميا بين النجوم ملايين السنين من العبور، بل ستتطلب
آلاف السنين; فالصخرة المقذوفة من نظام نجمي يمكن أن تصل إلى النظام التالي في إطار
زمني يقاس بالسنوات البشرية.
إذا ظهرت الحياة على كوكب واحد فقط داخل عنقود مغلق، فإن كثافة النجوم ستضمن أنه في غضون بضعة ملايين من السنين يمكن بذر كل نظام في العنقود؛ حدث أصل واحد يمكن أن يعمر آلاف العوالم. وتحتوي مجرة درب التبانة على نحو 150 عنقوداً مغلقاً معروفاً.
هناك احتمال آخر يوسع الفكرة إلى أبعد من ذلك؛ تحتوي مجرتنا على تريليونات من الكواكب المارقة (Rogue Planets)، وهي عوالم طُردت من أنظمتها النجمية الأم بفعل تفاعلات الجاذبية وتنجرف الآن عبر الفضاء بين النجوم دون شمس.
أسطحها
متجمدة إلى ما يقرب من الصفر المطلق، ولكن بعضها -الأكبر حجماً- لا يزال يمتلك نواة
منصهرة. وحيث توجد نواة منصهرة، يمكن أن يوجد محيط تحت السطح يسخن من الأسفل، ومعزول
من الأعلى بكيلومترات من الجليد؛ عالم يحمل صلاحيته للحياة داخل نفسه.
الكوكب
المارق لا يحتاج إلى نجم، هو فلك نفسه، وينجرف لملايين السنين، لمليارات السنين عبر
المجرة، ويمر أحياناً عبر أنظمة نجمية، ويتم التقاطه أحياناً، ويقدم أحياناً كل ما
ينمو في محيطه المخفي إلى بيئة جديدة.
إذا
كانت الكواكب المارقة قادرة على حمل الحياة، فإن البانسبيرميا لا تقتصر على النجوم
المجاورة أو عناقيد الولادة، بل تصبح ظاهرة مجرية؛ الحياة يمكن أن تنتقل بين الأنظمة
النجمية باستمرار، بشكل غير مرئي، على أطر زمنية أبطأ من أن تلاحظها أي حضارة، ولكنها
متسقة للغاية لدرجة لا يمكن إيقافها. المجرة يمكن أن تكون حديقة تبذر نفسها.
الآن، تراجع إلى حيث بدأنا، إلى سؤال واحد: من أين جاءت الحياة على الأرض؟ نحن نعلم أن لبنات بناء الحياة تتشكل طبيعياً في الفضاء، وجدناها داخل صخرة أقدم من الأرض ترقد في حقل في أستراليا.
ونعلم أن مليارات الأطنان من المواد قد سافرت بين المريخ والأرض على مدار 4 ونصف مليار سنة. ونعلم أن المريخ كان يحتوي على مياه سائلة قبل 100 مليون سنة من الأرض.
ونعلم أن كائنات حية توجد على الأرض الآن يمكنها النجاة من الانطلاق، والفراغ، والإشعاع، وإعادة الدخول. ونعلم أن النجوم تولد في عناقيد حيث يكون تبادل المواد بين الأنظمة مؤكداً تقريباً.
وعلى
سطح المريخ، مغلقة داخل أنبوب من التيتانيوم في غبار فوهة جيزيرو، تقبع عينة صخرية
تحتوي على أقرب شيء وجدناه على الإطلاق لبصمة حياة قديمة في عالم آخر.
لا يمكننا الإجابة عن السؤال بعد، ليس بشكل نهائي، ليس حتى تعود تلك العينة إلى الوطن، وليس حتى يتمكن مختبر على الأرض من فحصها بمستوى من التفصيل لا يمكن لأي جهاز على المركبة المستكشفة تحقيقه.
لقد
تم اقتراح مهمة إعادة عينات المريخ، وإعادة تصميمها، وتأجيلها، ومناقشتها، ومستقبلها
غير مؤكد، ولكن العينة هناك، تنتظر.
وما تحتويه قد يغير الطريقة التي نفهم بها أصلنا؛ فإذا تبين أن بقع الفهد في شلالات تشافا بيولوجية، وإذا كانت الميكروبات المريخية قد عاشت وماتت ذات يوم في الحجر الطيني لفوهة جيزيرو قبل مليارات السنين، وإذا كانت تلك الميكروبات تشترك في علاقة بيوكيميائية مع الحياة على الأرض -الدنا نفسه، والتماثل الليروي للأحماض الأمينية نفسه، والشفرة الجزيئية نفسها- فحينئذٍ يجب أن يكون أحد أمرين صحيحاً:
إما
أن الحياة نشأت بشكل مستقل على كوكبين متجاورين وتقاربت في الحل الجزيئي نفسه، وهو
ما سيكون أمراً خارقاً للعادة، أو أن الحياة نشأت مرة واحدة وسافرت من المريخ إلى الأرض،
أو من الأرض إلى المريخ، أو من مكان آخر تماماً إليهما معاً.
وفي أي من هذه الحالات، فإن الإجابة تغير كل شيء؛ إنها تعني أن الحياة ليست حادثة وقعت مرة واحدة في عالم واحد، بل هي عملية، قوة، شيء بمجرد أن يبدأ، ينتشر، يجد أسطحاً جديدة، يضرب بجذوره، يتكيف، ويستمر عبر الكواكب، وعبر الأنظمة النجمية، وربما عبر المجرات.
أنت تجلس في عالم قد لا يكون أصلك؛ فالخلايا في جسدك قد تحمل إرشادات كُتبت تحت سماء مختلفة، والشفرة الوراثية التي تبني بروتيناتك وتقسم خلاياك قد تكون أقدم من هذا الكوكب.
وسؤال من أين أتيت قد لا ينتهي عند حافة الغلاف الجوي للأرض، وقد لا ينتهي عند حافة النظام الشمسي، وقد لا ينتهي على الإطلاق.
هناك
صخرة على المريخ، إنها صغيرة، ومغلقة في المعدن، وتقبع في الغبار منذ ما يقرب من عامين
الآن، وقد تحتوي على الإجابة عن أقدم سؤال طرحه نوعنا على الإطلاق؛ ليس ما إذا كنا
بمفردنا، بل ما إذا كنا من هنا. نحن لا نعرف بعد، ولكن الصخرة تنتظر، ونحن كذلك.


