قبل البداية: هل وُلد الكون من لا شيء؟
لكن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكبر في تاريخ العلم. سؤال يقف على الحد الفاصل بين الفيزياء والفلسفة، بين ما نستطيع قياسه وما نستطيع تخيله، بين التجربة التي تبحث عن دليل، والعقل الذي يحاول أن يفهم سبب وجود كل شيء بدلًا من لا شيء.
نحن معتادون على التفكير بالسبب والنتيجة. كل شيء حولنا له بداية، وكل بداية نبحث لها عن سبب. يولد النجم من سحابة غاز، وتتشكل الكواكب من بقايا قرص يدور حول نجم جديد، وتظهر الحياة من كيمياء معقدة امتدت عبر زمن طويل.
لكن عندما نصل إلى الكون نفسه، يصبح السؤال أكثر صعوبة: ما السبب الذي سبق كل الأسباب؟
بداية الزمن نفسه
إحدى الأفكار العميقة التي طرحها ستيفن هوكينغ تقول إن السؤال عن “ما قبل الكون” قد لا يكون سؤالًا صحيحًا أصلًا.
فالزمان والمكان، بحسب فهمنا الحديث، ليسا مسرحًا خارجيًا ظهر الكون داخله. إنهما جزء من الكون نفسه. المكان ليس وعاءً جاهزًا استقبل المادة، والزمن ليس ساعة كانت تدق قبل ولادة الوجود. بل إن بداية الكون كانت، في هذا التصور، بداية الزمان والمكان معًا.
إذا كان هذا صحيحًا، فإن السؤال: “ماذا كان قبل الانفجار العظيم؟” يشبه السؤال: “ما الذي يقع شمال القطب الشمالي؟”
ليس لأننا لا نعرف الجواب فقط، بل لأن صيغة السؤال نفسها قد تفقد معناها عند تلك الحدود.
أم أن البداية ليست بداية؟
لكن هذه ليست الفكرة الوحيدة.
ربما لم تكن هناك بداية مطلقة، بل حد أخير لقدرتنا على الرؤية والفهم. نحن نرى الكون من داخل الكون، ونقيس تاريخه بأدوات وُلدت من قوانينه. لذلك قد يكون ما نسميه “البداية” هو فقط أقدم نقطة تستطيع نظرياتنا الوصول إليها، لا أول نقطة في الوجود نفسه.
من هنا تظهر أفكار أخرى. بعضها يقترح أن كوننا ليس إلا مرحلة في سلسلة أطول من الأكوان. يتمدد الكون، ثم ينكمش، ثم يرتد من جديد في دورة كونية هائلة. في هذه الصورة، لا يبدأ كل شيء من العدم، بل من كون سابق انهار أو تقلص ثم عاد للتمدد مرة أخرى.
هذه الفكرة تُعرف أحيانًا باسم الارتداد الكبير. وبدل أن يكون الانفجار العظيم بداية مطلقة، يصبح أشبه بصفحة جديدة في كتاب كوني قديم جدًا.
التضخم الأبدي والأكوان الفقاعية
هناك احتمال آخر أكثر غرابة. يعتقد كثير من العلماء أن الكون مرّ في بدايته بمرحلة توسع هائلة وسريعة جدًا تُسمى التضخم الكوني. خلال جزء صغير جدًا من الثانية، تمدد الكون بمعدل يصعب تخيله، ومهّد هذا التمدد الطريق لتكوّن البنية الكونية التي نراها اليوم.
لكن بعض الفيزيائيين ذهبوا أبعد من ذلك. ماذا لو لم يكن التضخم حدثًا واحدًا انتهى في كل مكان؟ ماذا لو توقف في منطقتنا فقط، بينما استمر في مناطق أخرى؟
في هذه الحالة، قد يكون كوننا مجرد فقاعة واحدة داخل محيط أوسع من الأكوان. تتوقف عملية التضخم في منطقة، فيولد كون مثل كوننا. وتستمر في منطقة أخرى، فتولد فقاعة كونية أخرى، وربما قوانين فيزيائية أخرى.
لا نملك جوابًا حاسمًا. لكن الفكرة نفسها تكشف لنا شيئًا مهمًا: كلما اقتربنا من لحظة البداية، لم تعد الفيزياء مجرد معادلات باردة، بل تتحول إلى مواجهة مباشرة مع حدود الخيال.
رؤية بنروز: عندما يفقد الحجم معناه
من بين الأفكار المدهشة أيضًا رؤية الفيزيائي روجر بنروز. فهو يقترح أن فهمنا للمقياس قد يكون ناقصًا في الأساس.
نحن نميز عادة بين الصغير والكبير. الذرة صغيرة، والمجرة كبيرة، والكون أكبر من كل شيء. لكن ماذا لو كانت هذه الفروق تفقد معناها في الحالات القصوى؟
في تصور بنروز، عندما يصبح الكون صغيرًا إلى حد لا نهائي، أو كبيرًا إلى حد لا نهائي، قد تضيع بعض الفروق التي نعدّها بديهية، مثل الزمن والحجم. وكأن القوانين العميقة لا تهتم بحجم اللوحة التي تُلعب فوقها اللعبة.
يمكن لعب الشطرنج بالقواعد نفسها على رقعة صغيرة توضع في الجيب، أو على رقعة ضخمة تمتد فوق ساحة كاملة. حجم الرقعة يتغير، لكن منطق اللعبة يبقى كما هو.
هل جاء الكون من تصادم أبعاد؟
وهناك أفكار أكثر جرأة تأتي من نظرية الأوتار.
تحاول نظرية الأوتار أن تصف أساس الواقع لا على أنه جسيمات نقطية صغيرة، بل كأوتار دقيقة تهتز بطرق مختلفة. وكل طريقة اهتزاز تُظهر لنا جسيمًا مختلفًا.
لكن هذه النظرية، لكي تعمل رياضيًا، تحتاج إلى أبعاد أكثر من الأبعاد التي نعرفها. نحن نعيش في ثلاثة أبعاد مكانية وبُعد واحد للزمن، لكن بعض صيغ النظرية تتحدث عن عشرة أو أحد عشر بعدًا.
في هذا التصور، قد يكون كوننا أشبه بغشاء كوني داخل واقع أكبر. وربما تكون بداية الكون قد حدثت عندما اصطدم غشاء كوني بآخر، فأطلق ذلك الحدث الطاقة التي نراها اليوم كبداية لكوننا.
لغز لم يُغلق بعد
في النهاية، لا تزال قصة أصل الكون مفتوحة. لدينا نماذج ونظريات واحتمالات، لكن لا يوجد جواب نهائي واحد يحسم كل شيء.
ربما بدأ الزمن مع الكون فعلًا. وربما كان كوننا نتيجة ارتداد كوني سابق. وربما نحن داخل فقاعة من أكوان كثيرة. وربما يكون هناك ركن من الرياضيات أو الفيزياء لم نكتشفه بعد، وسيغيّر فهمنا للبداية بالكامل.
لكن، على الرغم من كل هذا الغموض، هناك حقيقة واحدة تقف أمامنا:
قبل 13.8 مليار سنة تقريبًا، بدأ الكون الذي نعرفه. ومن تلك اللحظة الغامضة، بدأت رحلة طويلة ستقود في النهاية إلى النجوم، والمجرات، والكواكب، والحياة، ثم إلى كائنات واعية ترفع عيونها نحو السماء وتسأل:
في سلسلة كيف بدأ الكون سنحاول ملاحقة هذا السؤال، خطوة بعد خطوة، من أول ومضة غامضة في تاريخ الكون، إلى اللحظة التي بدأت فيها قوانين الطبيعة تأخذ شكلها المعروف.
