من أطلال أور إلى لغز أصل السومريين: بداية أول حضارة عظيمة في التاريخ
في عام 1625، كان نبيل إيطالي يُدعى بيترو ديلا فالي يقطع طريقه عبر الشرق الأوسط، في رحلة طويلة حملته إلى مناطق واسعة من آسيا وشمال أفريقيا والهند.
لم يكن ديلا فالي مجرد مسافر عابر، بل كان رحّالة واسع الخبرة، يمضي بين المدن والبوادي والطرق الخطرة، ترافقه زوجته، وهي أميرة آشورية مسيحية تزوجها في دمشق، ومعهما عدد من الأدلاء المحليين.
كانت تلك الرحلات في ذلك الزمن محفوفة بالمخاطر. فقد كانت الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الفارسية تخوضان صراعًا مريرًا حول السيطرة على بغداد، بينما كان اللصوص المحليون يستغلون الفوضى للسطو على المسافرين. وحتى الأسود كانت لا تزال تتجول في بعض تلك التلال.
وفي الثامن عشر من يونيو عام 1625، لمح أدلاء ديلا فالي مجموعة من البدو الرحّل في الأفق، فخافوا أن يكونوا في خطر، وبدأوا يبحثون عن مكان آمن للاختباء. عندها ظهرت لهم من بعيد كتلة ضخمة من الأطلال القديمة.
وبينما كنا نشك في بعض الأعراب المتجولين، وللأمان أكثر، انتقلنا ميلًا إضافيًا، واتخذنا موقعًا لنا تحت تل صغير قرب بعض الأطلال التي رأيناها من بعيد.
مكثت المجموعة هناك عدة ليالٍ، بينما كان الأدلاء يتفاوضون مع الحاكم المحلي للحصول على ممر آمن. وفي النهار، وتحت شمس العراق اللاهبة، بدأ ديلا فالي يتجول بين تلك الأطلال، يراقب الطوب القديم والكتابات الغريبة المنقوشة عليه.
ذهبت في الصباح لألقي نظرة أدق على تلك الأطلال القديمة. لم أستطع أن أفهم ما كانت عليه من قبل، لكني لاحظت أنها بُنيت من طوب ممتاز، وقد طُبع على معظمها حروف غريبة بدت لي قديمة جدًا. كما لاحظت أنها لم تُلصق بالجير، بل بالبيتومين أو القار.
كان ديلا فالي يتأمل تلك الرموز المكسورة، ويرى على الأرض قطعًا من الرخام الأسود المصقول، منقوشة بالحروف نفسها. ومن بين الرموز التي شدّت انتباهه شكل يشبه الهرم، وآخر يشبه نجمة ذات ثمانية رؤوس.
لم يكن هو وزوجته يعرفان أنهما تعثّرا في أنقاض مدينة أور، واحدة من أعظم مدن العالم القديم، وقلب حضارة تُعد من أقدم الحضارات التي صنعت ملامح العالم كما نعرفه اليوم: الحضارة السومرية.
غادر ديلا فالي تلك الأطلال ليلًا بعد فشل المفاوضات مع الزعيم المحلي، لكن في حقائبه كانت توجد بضع ألواح طينية صغيرة جمعها من بين الأنقاض. لاحقًا، ستصبح تلك الألواح من أوائل الأمثلة التي عرفتها أوروبا عن لغة ماتت ونُسيت منذ آلاف السنين.
يمكن أن نتخيله في طريق عودته، يقلب تلك القطع الطينية بين يديه، يتأمل رموزها الغامضة، ويسأل نفسه: من الذي بنى هذه التلال الهائلة من الطوب والتراب في قلب الصحراء؟ ماذا كانت تعني تلك العلامات؟ وإذا كانت مدينة عظيمة قد قامت هنا يومًا، فما الذي حدث لها؟
بلاد الرافدين: الأرض التي صنعتها المياه
لفهم قصة السومريين، لا بد أن نبدأ من المكان نفسه: بلاد الرافدين.
في المرتفعات الجنوبية الشرقية من تركيا، ترتفع جبال طوروس الجيرية المغطاة بالثلوج إلى أكثر من ثلاثة آلاف متر فوق السهول. هذه الجبال شديدة الانحدار تجعل السحب الماطرة تتجمع في أوديتها ومنخفضاتها، فتضرب المنطقة عواصف رعدية عنيفة تتردد أصداؤها في وديان الصخور.
من هناك تبدأ المياه رحلتها. تنحدر الجداول من ممرات أرمينيا الجبلية، ثم تتحد لتكوّن نهرين عظيمين يجريان جنبًا إلى جنب لمسافة تقارب ألفي كيلومتر. إنهما دجلة والفرات، النهران اللذان غذّيا سهول العراق بالحياة منذ آلاف السنين.
في العربية نسمّي هذا الإقليم بلاد الرافدين، أي أرض النهرين. وفي اليونانية القديمة كان يُعرف باسم ميزوبوتاميا، أي الأرض الواقعة بين نهرين.
حمل دجلة والفرات معهما الطمي الناتج عن تآكل الصخور في الجبال. ومع مرور الوقت، جعل هذا الطمي السهول العراقية أكثر خصوبة، وخلق بيئة قادرة على احتضان واحدة من أعظم التجارب البشرية المبكرة.
لكن هذه الأرض لم تكن سهلة أبدًا.
فجنوب العراق كان قاسيًا وجافًا. في الصيف قد تتجاوز درجات الحرارة 52 درجة مئوية، والأمطار نادرة، والرياح قوية، والتربة جافة ومغبرة. أما فيضانات دجلة والفرات فلم تكن منتظمة مثل فيضانات النيل في مصر، بل كانت تعتمد على أمطار تركيا وأرمينيا وكردستان، وهي أمطار متقلبة من عام إلى آخر.
كذلك كانت المنطقة فقيرة بالموارد الطبيعية. لا معادن تقريبًا، ولا حجر للبناء، ولا أخشاب كافية. لم يكن هناك سوى الطين والطمي والقصب.
ومع ذلك، من هذه البيئة الصعبة تحديدًا، ستخرج واحدة من أولى الحضارات الكبرى في تاريخ البشر.
من الصيد والترحال إلى الزراعة والاستقرار
في العصور السحيقة، حاول الإنسان القديم البقاء قرب أعالي الأنهار، وقد عُثر على فؤوس حجرية وأدوات تعود إلى مئات الآلاف من السنين. لكن الأراضي المنخفضة في جنوب العراق لم تكن صالحة لحياة الصيد وجمع الثمار بسهولة.
ثم، قبل نحو 13 ألف سنة، بدأ تحول كبير في حياة الإنسان. بدأت بعض جماعات الصيادين الرحّل تستقر في قرى دائمة. لاحظ هؤلاء أمرًا بسيطًا لكنه سيغيّر التاريخ: عندما تُرمى بذور النباتات الصالحة للأكل في القمامة، فإنها تنبت مرة أخرى.
من هذه الملاحظة البسيطة وُلدت فكرة الزراعة.
تعلم الناس أن زرع البذور وسقيها يمنحهم مزيدًا من الطعام. ومع الطعام المستقر جاءت المنازل، ومخازن الحبوب، والتعاون في الزراعة والدفاع عن المحاصيل. كما بدأ الناس بصناعة الفخار من الطين، لكنهم ظلوا لفترة طويلة يعتمدون على المناطق كثيرة الأمطار في الجبال.
ومنذ نحو 6500 قبل الميلاد، بدأت القرى تنتشر تدريجيًا نحو الجنوب على طول دجلة والفرات، حتى وصلت إلى الأراضي القاسية في جنوب العراق. لا نعرف أسماء أولئك الناس ولا لغتهم، لكن علماء الآثار يسمّون تلك المرحلة اليوم: عصر العبيد.
في تلك البيئة، لاحظ السكان أشجار النخيل التي تنمو على ضفاف المياه. اكتشفوا أنها مصدر غذاء غني، وأنها تصلح للزراعة في بساتين، وأن ظلها يسمح بزراعة نباتات أخرى تحتها. ثم تعلموا شق القنوات لتوجيه مياه النهر إلى الأراضي البعيدة.
هكذا ظهرت فكرة الري.
ومع الوقت، أصبح هؤلاء الناس خبراء في حفر القنوات، واستطاعوا تحويل الصحراء إلى أرض زراعية خصبة. زرعوا القمح والدخن والسمسم، وغرسوا الرمان والعنب والتين، إلى جانب الحمص والعدس والكراث والثوم والخيار وغير ذلك من المحاصيل.
وفي أقصى الجنوب، حيث يتفرع النهران إلى دلتا وبحيرات ضحلة، وُجدت الأهوار القديمة: عالم من القصب الكثيف والجاموس والخنازير البرية والطيور. هناك بنى الناس منازل من القصب فقط، يشدّونه في حزم قوية ويصنعون منه قبابًا ضخمة دون الحاجة إلى حجر أو خشب.
ومن هذه الأراضي المائية الجنوبية، ارتفعت أعظم مدن السومريين.
السومريون والأكاديون: شعبان في أرض واحدة
كما كانت بلاد الرافدين تُسقى بنهرين عظيمين، فقد سكنها أيضًا شعبان عظيمان: السومريون والأكاديون.
كان الأكاديون يعيشون في الشمال، ويتحدثون لغة تنتمي إلى العائلة السامية، وهي العائلة نفسها التي ستضم لاحقًا الآرامية والعبرية والعربية. تبدو هذه اللغة أصيلة في المنطقة، لأنها تشترك في قواعد ومفردات مع لغات كثيرة أحاطت بها.
أما السومريون فكانوا أكثر غموضًا بكثير.
لقد تحدثوا لغة معزولة، لا ترتبط بأي لغة مجاورة معروفة. كانت غريبة إلى درجة أن بعض العلماء الأوائل الذين درسوا نصوصها لم يصدقوا في البداية أنها لغة حقيقية، بل ظنوا أنها نوع من الرموز أو الشيفرات.
هذا الغموض هو ما جعل بعض الباحثين يتساءلون: هل جاء السومريون إلى جنوب العراق من مكان آخر؟
كان مركز الحضارة السومرية يقع في جنوب العراق، قرب الساحل القديم للخليج. ولهذا اقترح بعض الباحثين أنهم ربما وصلوا إلى هناك عن طريق البحر. وقد وجدوا دعمًا جزئيًا لهذا التصور في أسطورة قديمة نقلها المؤرخ الروماني فلافيوس يوسيفوس، تتحدث عن كائن نصفه إنسان ونصفه سمكة يُدعى أوانّيس، خرج من البحر وعلّم سكان بلاد الرافدين أسرار الحضارة.
بحسب الأسطورة، منح أوانّيس الناس معرفة الحروف والعلوم والفنون، وعلّمهم بناء المدن والمعابد، وسنّ القوانين، وقياس الأراضي، والزراعة وجمع الثمار. وبعد أن نقل إليهم هذه المعارف، عاد وقفز إلى البحر واختفى.
قد تكون هذه مجرد أسطورة، وربما تكون ذكرى بعيدة ومشوّهة عن جماعات وصلت من مكان آخر حاملة معها ثقافة متقدمة. بل ذهب بعض الباحثين إلى اقتراحات أبعد، مثل احتمال قدوم السومريين من مناطق بعيدة كالهند.
لكن لا توجد حتى الآن إجابة نهائية. أصل السومريين لا يزال واحدًا من أكثر ألغاز التاريخ القديم إثارة.
الطوفان العظيم: ذاكرة كارثة قديمة؟
هناك نظرية أخرى أكثر إثارة، تحاول تفسير بعض هذا الغموض من خلال الأساطير.
في الذاكرة السومرية القديمة، كان هناك حدث كارثي هائل يسيطر على الخيال الديني والتاريخي: الطوفان العظيم.
اعتقد السومريون أنه في زمن سحيق، في عهد أسلافهم الأوائل، اجتاح فيضان هائل العالم بأسره. لاحقًا، انتقلت هذه القصة إلى الأساطير البابلية، ثم إلى التراث العبري في التوراة. ولهذا قد تكون قصة الطوفان واحدة من أقدم القصص المستمرة في تاريخ البشرية.
حاول مؤرخون كثيرون البحث عن حدث واقعي ربما كان مصدرًا لهذه القصة. والتاريخ مليء بالفعل بالفيضانات والكوارث الكبرى.
عندما انتهى العصر الجليدي الأخير، نحو عام 10000 قبل الميلاد، ارتفعت درجات الحرارة العالمية عدة درجات خلال آلاف السنين. ذابت الصفائح الجليدية الهائلة في شمال الأرض، وعادت مياهها إلى المحيطات، فارتفع مستوى البحر العالمي ارتفاعًا كبيرًا ابتلع مناطق ساحلية واسعة في أنحاء العالم.
وفي الشرق الأوسط، كان لهذا الارتفاع أثر عميق.
في زمن العصر الجليدي، كان دجلة والفرات يمتدان لمسافة أبعد جنوبًا، ويتحدان في مجرى واحد يعبر واديًا منخفضًا بين ما نعرفه اليوم بإيران والسعودية، قبل أن يصب في المحيط الهندي قرب منطقة دبي الحالية.
لكن مع ذوبان الجليد، بدأت مياه البحر تتقدم. ببطء في البداية، ثم بسرعة أكبر. وعلى مدى آلاف السنين، كان الساحل يتحرك شمالًا، ملتهمًا الأراضي المنخفضة والغابات والقرى.
إذا كان بشر العصر الحجري الحديث يعيشون في تلك المنطقة، فلا بد أن المشهد كان مرعبًا: البحر يقترب عامًا بعد عام، يدفع الناس إلى النزوح، يجبرهم على ترك قراهم، ثم يعيد دفعهم مرة أخرى كلما تقدمت المياه.
استمر هذا النزوح حتى استقر المناخ والساحل نحو عام 5000 قبل الميلاد، في الوقت نفسه تقريبًا الذي بدأت فيه الثقافة السومرية تظهر على مسرح التاريخ.
وهنا تظهر الفرضية المثيرة: ربما التقى المزارعون القادمون من الشمال، المتحدثون بلغات سامية، بشعب آخر قادم من الجنوب، منهك ومدمّر، يحمل لغة نشأت بمعزل عن غيرها، ويروي قصصًا عن طوفان ابتلع عالمه القديم.
بهذا المعنى، ربما لم يأتِ السومريون من البحر بالقوارب، كما تقول بعض الأساطير، بل ربما خرجوا من أرض غمرها البحر فعلًا.
دلمون: الجنة التي ابتلعها البحر
تظهر خيوط هذا اللغز أيضًا في أسطورة سومرية أخرى تُعرف باسم أسطورة إنكي وننهورساج.
تصف هذه الأسطورة أرضًا تُدعى دلمون، خلق فيها الإله إنكي الإنسان. وكانت دلمون جنة أرضية مثالية، لا ينعق فيها الغراب، ولا يقتل فيها الأسد، ولا يخطف الذئب الحمل، ولا يعرف الكلب البري افتراس الجراء.
يعتقد كثيرون أن دلمون هي البحرين الحالية، تلك الجزيرة الواقعة في الخليج العربي. لكن الخليج نفسه، في زمن أقدم، لم يكن بحرًا كما نعرفه اليوم، بل كان واديًا نهريًا خصبًا.
هل يمكن أن تكون دلمون ذكرى بعيدة لعالم مفقود؟ هل احتفظت الأساطير السومرية بظل كارثة قديمة، حين تقدمت المياه وابتلعت الأراضي التي عاش فيها الناس؟
لا يمكننا الجزم. كل ما نملكه حتى الآن مجرد افتراضات، وستبقى كذلك حتى يظهر دليل مادي جديد. لكن جمال هذه النظرية يكمن في قدرتها على جمع الجغرافيا والأسطورة واللغة في صورة واحدة: شعب غامض، لغة معزولة، طوفان عظيم، وذاكرة أرض غارقة تحت مياه الخليج.
حين يبدأ التاريخ من شظايا صغيرة
عندما نحاول فهم ما حدث في ذلك الماضي البعيد، علينا أن نتذكر أن التاريخ ليس مجموعة جامدة من التواريخ والحقائق النهائية. التاريخ عملية بحث مستمرة، مليئة بالأسئلة والاحتمالات والفراغات.
أحيانًا يبدو الأمر كأننا نحاول رسم خريطة لكوكب بعيد، أو استكشاف قاع محيط مظلم، ولا نملك سوى بقع صغيرة من الضوء توفرها لنا بقايا متناثرة: لوح طيني، نقش مكسور، أسطورة، اسم مدينة، أو حكاية عن طوفان قديم.
من بين هذه الشظايا، خرج اسم سومر.
ومن بين أطلال أور، التي لجأ إليها مسافر إيطالي قبل أربعة قرون، عادت إلينا أصوات شعب كامل كان قد اختفى من ذاكرة البشر.
في الجزء التالي من هذه السلسلة، سنقترب أكثر من السومريين أنفسهم: كيف عاشوا؟ كيف لبسوا؟ كيف بنوا مدنهم؟ وكيف اخترعوا الرياضيات والكتابة والعجلة، ليضعوا الأسس الأولى لعالمنا الحديث؟
اقرأ في الجزء الثاني: حياة السومريين: كيف عاش أصحاب الرؤوس السوداء؟
